
جعجع يرفع سقف الضغط على نواف سلام: من الرهان على «دولة المؤسسات» إلى مساءلة الحكومة عن الإصلاح والخارجية
متن الخبر
دخلت العلاقة السياسية بين رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع ورئيس الحكومة نواف سلام مرحلة أكثر حساسية، بعدما وجّه جعجع، في خطابه الأخير في معراب في 6 أيلول، انتقادات مباشرة إلى أداء الحكومة وطريقة ممارسة السلطة، من دون أن يعلن سحب دعمه لسلام أو الانتقال إلى موقع المواجهة السياسية معه. النقطة الأكثر دلالة في كلام جعجع تمثلت في قوله إن انتخاب الرئيس جوزاف عون وتسمية نواف سلام كانا قد ولّدا اعتقاداً بأن لبنان دخل مرحلة «دولة القانون والمؤسسات»، قبل أن يعتبر أن الوقائع أظهرت أن هذا الاعتقاد «لم يكن في مكانه». وهذه العبارة نقلت خطاب جعجع تجاه العهد والحكومة من موقع الرهان على التجربة إلى موقع مساءلتها عن نتائجها الفعلية. ولم يركز جعجع انتقاداته على الخيارات الكبرى للحكومة بقدر ما تناول آلية عملها وسرعة تنفيذ الإصلاحات. فأقرّ بأن الحكومة قامت بخطوات إصلاحية وأنها لم تشهد فضائح فساد، لكنه اعتبر أن النزاهة لا يمكن قياسها فقط بغياب الفساد، بل أيضاً بسرعة الإصلاح وشفافية القرار وانتظام عمل المؤسسات، مشدداً على أن معالجة ملف السلاح غير الشرعي لا تعفي الحكومة من مسؤولياتها الاقتصادية والمالية. وفي الملف المالي، جعل جعجع من قانون الفجوة المالية نموذجاً لانتقاده بطء عمل المؤسسات، معتبراً أن مسؤولية الحكومة لا تنتهي عند إعداد مشروع القانون وإحالته إلى مجلس النواب، بل تقتضي متابعة القوانين الأساسية والضغط لإقرارها، ولا سيما أن مصير الودائع وإعادة تشغيل القطاع المصرفي مرتبطان بهذا المسار. وانتقد استمرار تبادل المسؤوليات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية فيما ينتظر المودعون حلاً لأموالهم. لكن أكثر نقاط الخطاب حساسية في العلاقة مع سلام كانت ملف السياسة الخارجية. فقد تساءل جعجع كيف يمكن الحديث عن دولة مؤسسات فيما لا يرافق وزير الخارجية يوسف رجي رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة في بعض الزيارات الخارجية، معتبراً أن الوزير هو المعني أساساً بالعلاقات الخارجية للدولة. هذا الانتقاد دفع نواف سلام إلى الرد في الليلة نفسها، موضحاً أن مجلس الوزراء هو الذي يضع السياسة العامة للدولة، بما فيها السياسة الخارجية، فيما يتولى كل وزير تطبيق هذه السياسة ضمن صلاحيات وزارته. وشدد سلام على أن مشاركة الوزراء في الوفود الرسمية ترتبط بطبيعة كل زيارة وجدول أعمالها، نافياً وجود انتقاص من دور وزير الخارجية أو استبعاد له. ورد سلام أيضاً على الشق المالي من كلام جعجع، مؤكداً أن الحكومة لا تتقاذف المسؤولية مع مجلس النواب، وأن قانون الفجوة المالية لا يزال في عهدة المجلس منذ أكثر من تسعة أشهر، نافياً أن تكون الحكومة بصدد استرداده. كما أكد أن الحكومة تضغط لتسريع مناقشته وتواصل العمل للوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي. وعلى الرغم من حدة السجال، لم يتضمن خطاب جعجع انقلاباً على نواف سلام في الخيارات السياسية الكبرى. ففي ملف السيادة وحصرية السلاح، بقي جعجع مطالباً بانتقال الدولة من مرحلة القرارات إلى مرحلة التنفيذ، داعياً إلى حل الأجنحة العسكرية والأمنية غير الشرعية وفي مقدمها التابعة لحزب الله، وإلى تمكين الدولة والجيش من الإمساك الكامل بالقرار الأمني والعسكري. وبالتالي بقي جوهر خلافه مع الحكومة مرتبطاً، وفق خطابه، بسرعة التنفيذ وفعالية المؤسسات أكثر منه بتبدّل في الاتجاه السياسي العام.
أبعاد المشهد
خطاب جعجع الأخير يرسم تحولاً مهماً في طبيعة علاقته بنواف سلام: من دعم يقوم على الرهان على مشروع سياسي، إلى دعم مشروط بالإنجاز. جعجع لم ينتقل إلى معارضة الحكومة، لكنه أوضح أن الغطاء السياسي الذي وفرته «القوات اللبنانية» لمسار قيام الدولة ليس شيكاً مفتوحاً، وأن استمرار الدعم مرتبط بقدرة السلطة التنفيذية على ترجمة وعودها إلى قرارات ونتائج. واللافت أن سلام اختار الرد مباشرة على جعجع بدل تجاهل الانتقادات، لكنه استخدم لغة مؤسساتية هادئة، فبدأ بتقدير حرص جعجع على المؤسسات قبل أن يفنّد ملاحظاته. هذا الأسلوب يوحي بأن السجال لا يزال داخل مساحة الشركاء السياسيين الذين يختلفون حول الأداء والصلاحيات، وليس ضمن مواجهة بين الحكومة وخصم سياسي. في المقابل، يفتح ملف وزير الخارجية باباً أوسع من مجرد مسألة بروتوكولية. فبالنسبة إلى جعجع، القضية مرتبطة بمفهومه لدولة المؤسسات وبالدور الذي يجب أن تؤديه وزارة الخارجية في صياغة الحضور اللبناني خارجياً، بينما يشدد سلام على أن السياسة الخارجية هي سياسة الحكومة مجتمعة وليست حكراً على وزير أو وزارة. بذلك ظهرت إلى العلن للمرة الأولى بهذا الوضوح مقاربتان مختلفتان داخل المعسكر الداعم لقيام الدولة حول كيفية إدارة مؤسساتها وصلاحياتها. أما سياسياً، فالرسالة الأهم التي وجّهها جعجع إلى سلام تبدو واضحة: «القوات» ما زالت تقف في الاتجاه نفسه لناحية قيام الدولة وحصرية السلاح والإصلاح، لكنها انتقلت من مرحلة منح الحكومة الوقت إلى مرحلة المطالبة بالمحاسبة على السرعة والنتائج. ومن هنا قد تصبح العلاقة في المرحلة المقبلة أكثر ضغطاً وتدقيقاً، من دون أن تعني بالضرورة انتقال جعجع إلى موقع المعارضة، ما دام التقاطع قائماً حول الملفات السيادية الأساسية.