
إلى أين؟
متن الخبر
على ذمّة الشعور | المقال الأول
بقلم: سامي العلالي
إلى أين تمضي بنا الأيام؟ وإلى أي حدّ قد تدفعنا مشاعرنا إلى إذلال أنفسنا؟
قد نهوى من ليس لنا، ونتعلّق به حدّ الجنون، لمجرّد صعوبة الوصول إليه، أو لإيمانٍ عميق في داخلنا بأننا سنكون أكثر سعادة إلى جانبه، وأن أجمل أيامنا لن تُعاش إلا بالقرب من شخص بعينه.
غريبةٌ هي النفس البشرية، بما تحمله من عجائب وتناقضات تبدو أحيانًا أقرب إلى الغرائز. فهي تبني إسقاطاتها الخاصة، ثم تقتنع بأفكار قد تكون مأساوية، وكأنها حقائق لا تقبل الشك.
كم من إنسان يختار الشخص الخطأ، ويتعلّق به حدّ الجنون، إلى درجة قد تدفعه للتضحية بكل شيء في سبيل الحصول على شيء واحد، يراه استثنائيًا، ويقتنع بأنه الخلاص!
وتكمن سخرية القدر في التفاصيل الواقعية للحياة.
فقد يحبّ شابٌّ فتاةً حدّ الجنون، ظنًّا منه أنها توأم روحه، وأنها الشخص الذي خُلق ليكمل معه حياته. وبعد دخوله في علاقة معها، ومنحها أعمق مشاعره، يكتشف، بعد فترة وجيزة، أنه لا يجمع بينهما ما كان يتخيّله.
عندها، تبدأ تلك المشاعر بالتقلّص تدريجيًا، حتى تصل إلى الزوال، وربما تتحوّل في بعض الأحيان إلى برودٍ أو حتى كراهية.
لكن ماذا لو تغيّر مسار الحكاية قليلًا؟
لنتخيّل أن الشاب نفسه التقى الفتاة ذاتها، وفي الظروف نفسها، وشعر بأنها تبادله المشاعر من خلال النظرات، من دون اعتراف واضح. وربما لم تكن تلك المشاعر متبادلة أصلًا، بل مجرّد حبٍّ توهّمه.
ثم تعذّر ارتباطهما لظروف خارجة عن إرادتهما، كاختلاف الدين أو بُعد المسافة أو غيرهما من العوائق.
هنا، تختلف الرواية اختلافًا قد يكون مخيفًا.
فقد تبقى تلك الفتاة حلمًا يرافقه حتى اليوم الأخير من حياته، لمجرّد اعتقاده بأنها توأم روحه الذي أبعدته عنه الظروف القاهرة، وأن تلك الظروف وحدها هي التي حرمته من سعادة أبدية كان يتخيّل أنه سيعيشها معها.
وقد يظل مقتنعًا بأن ذلك الشخص كان مفتاح سعادته المطلقة، فيحزن حزنًا عميقًا، وربما يصل به الأمر إلى حالة من الاكتئاب، فقط لأنه لم يحصل على ما أراده.
وهنا، برأيي الشخصي، أيها السادة، تكمن واحدة من أعجب مفارقات النفس البشرية.
إنها قدرة الإنسان على تعذيب نفسه حين يرغب في شيء ولا يستطيع الحصول عليه، حتى لو كان ذلك الشيء، في حقيقته، مختلفًا تمامًا عمّا رسمه في مخيّلته.
قد يجلد الإنسان ذاته مرارًا وتكرارًا، لا لأن ما فقده كان بالضرورة مصدر سعادته، بل لأنه لم يستطع تقبّل فكرة الحرمان منه.
وهكذا، يصبح التعلّق أحيانًا أشدّ وطأة من الحب نفسه، وتتحوّل الرغبة في امتلاك ما لا نستطيع الوصول إليه إلى عبء نفسي يرافقنا طويلًا.
إن الإنسان، أيها السادة، كائن ذو تركيبة نفسية عجيبة؛ مزيج من الأفكار والمشاعر والتخيّلات، يعيش أحيانًا على خيط رفيع يفصل بين الاتزان النفسي والاضطراب العاطفي.
ومن هنا، يبرز سؤال يستحق التأمّل والنقاش:
هل نحبّ الأشخاص حقًا كما هم، أم نحبّ الصورة التي رسمناها لهم في مخيّلتنا؟ وهل يكون الألم ناتجًا عن خسارة الحب، أم عن عجزنا عن تحقيق رغبةٍ أقنعنا أنفسنا بأنها الطريق الوحيد إلى السعادة؟
إنها أسئلة تفتح الباب أمام نقاش أعمق حول العلاقة بين الحب والرغبة والتعلّق والاتزان النفسي، وحول قدرة الإنسان على التمييز بين ما يشعر به وما يتخيّل أنه الحقيقة.
---
إخلاء مسؤولية تحريرية:
جميع الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب الشخصية، وتُعدّ مسؤوليته وحده، ولا تعكس بالضرورة آراء أو مواقف موقع «أبعاد المشهد» أو إدارته التحريرية. ولا يتبنّى الموقع بالضرورة ما يطرحه الكتّاب في مقالاتهم، مع احترامه لحرية التعبير وتنوّع وجهات النظر.