Login
التقارير من نحن؟

أبعاد المشهد

حيث يبدأ الخبر

التقارير من نحن؟ Datenschutz Impressum اتصل بنا
الأسعار المباشرة
في اللامكان
فن

في اللامكان

المصدر: بقلم: سامي العلالي

متن الخبر

على ذمّة الشعور | المقال الثاني

بقلم: سامي العلالي

العالم النفسي مليء بالنظريات التي لا تُعدّ ولا تُحصى، وداخل كل حالة نفسية قد تجد عدة نظريات. وما أكتبه هنا ليس نظرية، بل قصة تحاكي واقعًا نفسيًا معينًا، وأشرح فيها نظريتي الخاصة تجاه الموضوع. وربما تكون كل النظريات صحيحة، لكن لكلٍّ منها ظروفه التي قد تجعلها مفيدة. إلا أنني أجزم وأؤمن بأن معايشة الحالة والكتابة عنها هما الأصدق.

حوار مع النفس

أنا: عزيزي، ماذا تفعل؟ هل أنت هنا فعلًا، أم أنك معها؟

النفس: لماذا تخاطبني وكأننا لسنا شخصًا واحدًا؟

أنا: صدقني، لم أفهمك جيدًا. هل تقصد أنا وأنت، أم أنت وهي؟

هي لا تغادرك أبدًا. أنت تراها في كل شيء، ومزاجك يتعكّر أو يفرح فقط لردّة فعلها تجاهك. أنت مربوط بها.

ألم تكلّمها ورفضت؟

النفس: بلى.

أنا: أخبرني إذن، ما الذي يحدث؟

النفس: هي زميلتي في العمل. أحببتها منذ الثانية الأولى التي رأيتها فيها، ورأيت فيها نصفي الثاني. ولسوء حظي، هي من دين آخر، ولا يمكنها القبول أبدًا، وإلا خسرت كل شيء في حياتها: أهلها، عملها، منزلها، وعائلتها بأكملها. قد يطردونها إن خالفت العادات التي تفرض الزواج من نفس الدين، وقد يصل بهم الأمر إلى قتلها.

على فتات الشعور

أنا: إذن، لماذا تحبها وهي رفضت؟

النفس: هي رفضت الكلام بسلطتها، لكن هذه السلطة لا يمكنها إبعاد الشعور. وأعتقد أنها لو كانت تملك سلطة على الشعور لمنعته. إذن، هي يمكنها قمع الكلام، لكنها لا يمكنها قمع الحب. لذلك، لا يمكنها أن تخفي نظراتها المُحبّة لي، وأنا أعيش على فتات الشعور. أعيش كمحتاج يومي إلى ذلك الشعور، مما يعني أن وضعي النفسي أصبح رهينة تفاصيل عمل متقلّبة بشكل يومي.

أعتقد أنني في اللامكان يا صديقي. شعور سيئ جدًا حين تجد نفسك الحقيقية، ولأول مرة تقول: أريد هذا الشخص بشدة، لكنني لا أستطيع، وحتى ظروف الرفض مبرّرة نفسيًا بالنسبة لي.

أنا في اللامكان، كيف أتصرف؟

أنا: ماذا إن كانت فعلًا لا تحبك؟

النفس: لا يمكنني الشعور بذلك.

أنا: هل أنت سعيد؟

هنا مرقد النار

النفس: في البداية، كان الشعور يعطيني دافعًا. أحببت العمل بسببها وأصبحت محترفًا. لكن بعد وقت، بدأت أغار، وذلك أشعل نارًا تحرقني من الداخل، ولا يمكن لشيء إطفاؤها سواها.

أنا لا أرى غيرها أبدًا، وأحب كل شيء فيها. وأعلم أن الوضع قابل للتراجع، ومستحيل التقدّم.

فهي لن تبادر أبدًا، وأنا لن أغادر أبدًا، وهنا مرقد النار.

بين حقيقتين لا تلتقيان

في اللامكان، لا نموت ولا نحيا، بل نُعلَّق بين حقيقتين لا تلتقيان: حقيقة ما نريد، وحقيقة ما يُسمح لنا به.

اللامكان ليس مكانًا، بل هو حالة الإنسان حين يلتقي بنفسه لأول مرة، فيكتشف أنه ليس حرًا كما ظن، وأن قلبه له سلطة أعلى من سلطة العقل والمنطق والعادات والدين والمجتمع مجتمعين.

نحن لا نتعذّب لأننا أحببنا الشخص الخطأ، بل لأننا أحببنا الشخص الصحيح في التوقيت الخطأ، في العالم الخطأ.

معجزة لا تأتي

وربما تكون المأساة الحقيقية ليست في أننا لا نستطيع الوصول، بل في أننا، بعد أن عرفنا طعم أن نكون أحياء، لم نعد نستطيع أن نعود أمواتًا كما كنا.

في اللامكان، يبقى الإنسان واقفًا، يحترق بنارٍ لا يطفئها إلا من أشعلها، وينتظر معجزة لا تأتي، لا لأنه ضعيف، بل لأنه لأول مرة في حياته كان صادقًا مع نفسه.

━━━━━━━━━━━━━━━━

إخلاء مسؤولية تحريرية:

جميع الآراء والأفكار والتحليلات الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب الشخصية، وتُعدّ مسؤوليته وحده، ولا تعكس بالضرورة آراء أو مواقف موقع «أبعاد المشهد» أو إدارته التحريرية. ولا يتبنّى الموقع بالضرورة ما يطرحه الكتّاب في مقالاتهم، مع احترامه لحرية التعبير وتنوّع وجهات النظر.